ياسمين من إدلب، من بين ركام منزلها المدمر إلى حياة مليئة بالأمل والإصرار

Printer Friendly and PDF

اختبئت في زاويةٍ مظلمة تبحث بين الأغطية عن دفئ لها من برد شتاء حلَّ في ظل حصار غيّب كل وقودٍ ممكن ان تتدفئ به.

ارتجفت أوصالها، لكن هذه المرة لم يكن البرد هو السبب؛ السبب هو صوتٍ سَمعته وعهدت سماعه مئات المرات خلال سنوات عمرها الخمس لكنها أبداً لم تألف هذا الصوت.

صوت طائرة تحلق في الأجواء ترمي حمولة صواريخها على أرض رفض ساكنوها الخروج منها وجعلوا من صدورهم وأيديهم العارية دروعاً ضد صواريخ طائرات وراجمات وجهت لتنال من صمودهم.

ياسمين سمعت هذا الصوت مرة، اقترب منها حتى دمر منزلها، لكنها خرجت من تحت دماره بمساعدة يد بيضاء مُدّت لها فأنقذت حياتها.

وها هو الآن يقترب مجدداً، نفس الصوت، نفس الطائرة، تصرخ ياسمين تنادي أخاها أن يقترب منها، أن يتدفئ تحت الأغطية معها، ظناً منها أن هذه الأغطية ستحميها وتحميه من نار ودمار.

لكن صدى انفجار الصاروخ المرسل من الطائرة كان أسرع من صوتها، فتدمر المنزل مرة أخرى، تداعت جدرانه، وركع سقفه يخبئ الطفلة البريئة تحته.

اختبئت عن أخيها، لم تكن هي لعبة الاستخباء التي كانت تلعبها معه، ولم تكن هي لعبة الاستخباء التي حلمت أن تلعبها مع صديقاتها في باحة مدرسة حلمت أن تجد أمانا لتذهب إليها.

اختبئت في منزلها تبحث عن أمان فقدته، لكن لم يكن لها الأمان الذي نشدته.
تحطم المنزل، وغطى الدخان الأبيض عينيها وتحول منزلها إلى عتمة سحابة بيضاء من ركام، استطاع اللون الأحمر النازف من جسد #أخيها أن يخترق الغمامة ويصل إلى عينيها.

استشهد الطفل، وبقيت في عتمة الركام جافلة إلى أن مدت لها يد بيضاء مرة أخرى، إنها تعرف هذه اليد.. لقد مدت لها مرة.. لم تنسى في فوضى المكان حولها تلك اليد.

قالت له ببراءة: "عمو أنا هون"

رد ماسحا أكواماً من التعب عن ابتسامته: "أي حبيبتي انا هون، لا تخافي"
لم تكن ابتسامته سوى حلم ارتسم على شفتيه لخروج طفلة بريئة من تحت قصف لا يعرف للبراءة معنى.
وحلم ارتسم على شفتيها بيدٍ مُدّت لإنقاذها مرة أخرى.

حلم بأنها ستحيا وإن مات ضمير العالم أجمع.. آمنت برجال بلدها اللذين لن تموت ضمائرهم، آمنت برجال الدفاع المدني اللذين لم ولن يتخلوا عن واجبهم الإنساني في حماية وإنقاذ أهلهم وحمايتهم من كل سوء يصيبهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا.

أنقذ رجال الدفاع المدني ياسمين مرتين وساقوا لها أملا جديدا بالحياة، ولكنهم لم يستطيعوا إيقاف آلة الحرب التي ما زالت تنتهك حرمات المنازل وتدمر المدارس وتقتل طموح الأطفال.

ياسمين كما تظهر في الصورة، عادت إلى مقعدها الدراسي في بلدتها تلمنس بريف إدلب الشرقي، لتكمل تعليمها ممزوجة بروح الأمل وبحب الحياة والإصرار على المضي قدماً في تحقيق أحلامها وبناء مستقبل بلدنا الحبيب سورية.

ونحن إذ نجدد العهد في مواصلة عملنا وواجبنا الإنساني في إنقاذ أكبر قدر ممكن من المدنيين في المواقع المستهدفة بالقصف، إضافة لمساعدة المجتمعات المحلية في سورية.

"ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً" صدق الله العظيم