هذه قصتي - المتطوع في الدفاع المدني السوري إسماعيل رسلان

Printer Friendly and PDF

حين تسمع صوت طائرة حربية تحوم في المكان، فالتصرف الطبيعي لأي إنسان هو أن يهرع إلى أقرب مكان يحتمي به، إلا أنه لم يكن هذا هو الحال مع اسماعيل الذي كان يحظى بلقب "رجل المصاعب" بين أبناء قريته.

6:30 am يوم الثلاثاء 4/4/2017 – مدينة خان شيخون:
في صباح ذلك اليوم وحيث يقطن اسماعيل وأهله نفذت طائرة حربية غارتها الأولى، صوت مزلزل يهز المكان، نهض اسماعيل من فراشه مرتعداً لهول الانفجار الذي تحركت له الجدران و انهارت بعض حجارتها و تهشمت النوافذ من حوله. ركض مسرعاً إلى مكان الضربة، الدخان الكثيف ما زال يغطي المكان, انقشع الغبار قليلاً من أمام عينيه ليبصر طفلاً مذعوراً يركض وقد غشت الدماء جسده الصغير.

يدنو اسماعيل من ذلك الطفل ليسعفه، فيشق صاروخ آخر المسافة بينهما ويحول دون ذلك، يا إلهي أين الطفل، لا شيء يُرى من أثر الدخان و الغبار، الشظايا ما زالت تتطاير والأصوات التي يسكنها الذعر و الأنات  تصدح في المكان، ينقشع الغبار قليلاً من أمام عينيه ليبصر ذات الطفل أشلاءً هذه المرة..
ثم يلمح من بين الدخان رجلاً يستصرخ من ينقذه و قد بُترت قدمه، لا وقت للذهول، يركض اسماعيل مسرعاً نحو ذلك الرجل, كأنه وجد الماء لروحه العطشى لأن تجد حياةً وسط الموت الذي ملأ المكان.

يقترب اسماعيل أكثر ليلحظ الدم و هو ينزف بغزارة من قدم الرجل, يتفقد بعينيه المكان حوله بسرعة خاطفة باحثاً عن أي شيء يوقف به النزيف، على عجلٍ يلف قدم الرجل و يضغط عليها بقطعة قماش وجدها وهو ينادي و يصرخ على زملائه لكي يعثروا عليه وسط غمامة الدخان الذي ما زال مخيماً و يسعفوا الرجل. ثم بصوتٍ متعب محاولاً طمأنة الرجل المصاب يقول: "اصبر يا عمي، هي سيارة الإسعاف أجت، يالله "

وصلت سيارة الإسعاف و حمل اسماعيل وزميلهُ الرجلَ ذو القدم المبتورة إليها, ثم اتجه ليصعد إلى السيارة، هنا تردد إلى أذنيه صوت أمه و هي تصرخ, تسمّر اسماعيل في مكانه لبرهة و هو يردد "لا، هل يعقل أبي؟!"، ثم انطلق مسرعاً باتجاه الصوت غير مبال بالتعب و الإرهاق الذي نال جسده, ليجد والده المسن و قد أصيب بشظايا الصاروخ.

انهارت كل قوةٍ كان يكتنزها في نفسه أمام ذلك المشهد، هرع نحو والده ليحمله و عيونه لا تحتمل ما تراه من ألمٍ يرهق جسد والده الممزق أمامه.
هنا لم يعد اسماعيل يدرك شيئاً من حوله، و أغلق عينيه على ذلك المشهد الذي انطبع في ذاكرته و مخيلته, ليتحول اسماعيل من دور المسعف إلى دور الضحية
غاب اسماعيل عن الوعي، و لم يستيقظ بعدها إلا بعد مضي يومين من الزمن
فقد فتك بجسده سم غاز السارين الذي كانت محملة به تلك الصواريخ التي ألقيت على البلدة.

لم يدرك اسماعيل وجود الغاز الكيميائي في هواء المكان من هول ما رأى في تلك اللحظات حتى أعياه التعب و انهار فاقداً وعيه.
فتح اسماعيل عينيه في المشفى على عمرٍ جديدٍ كُتب له سوى أنه خلا من أبيه فيصل الذي رحل عن الدنيا قبل يومين
خسر اسماعيل والده المسن، رغم ذلك لم يتردد في أن يعلن عزيمته و إصراره على مواصلة الطريق رغم كل الألم الذي يعتريه.

اسماعيل رسلان الذي ينحدر في الأصل من قرية التمانعة في ريف ادلب الجنوبي, كان يعمل مزارعاً و يجني قوته و قوت أطفاله الثلاثة من كده وعرق جبينه, شارك في الحراك السلمي للثورة السورية و مع بدء النظام لعملياته الانتقامية من المدنيين و ارتفاع وتيرة القصف دفعته إنسانيته ليكون من أوائل المتطوعين بين صفوف فرق الدفاع المدني لإنقاذ الأرواح و مساعدة الناس.